الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأديانا سخيفة ، ظنّوها حقّا لأنّهم لم يستفرغوا مقدرة عقولهم في ترسّم أدلّة الحقّ فقال : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . والاتّباع : مجاز في قبول الفكر لما يقال وما يخطر للفكر : من الآراء والأدلّة وتقلّد ذلك . فهذا أتمّ معنى الاتّباع ، على أنّ الاتّباع يطلق على عمل المرء برأيه كأنّه يتبعه . والظنّ ، في اصطلاح القرآن ، هو الاعتقاد المخطئ عن غير دليل ، الّذي يحسبه صاحبه حقّا وصحيحا ، قال تعالى : وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ يونس : 36 ] ومنه قول النّبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إيّاكم والظّنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث » وليس هو الظنّ الّذي اصطلح عليه فقهاؤنا في الأمور التّشريعية ، فإنّهم أرادوا به العلم الرّاجح في النّظر ، مع احتمال الخطأ احتمالا مرجوحا ، لتعسّر اليقين في الأدلّة التّكليفيّة ، لأنّ اليقين فيها : إن كان اليقين المراد للحكماء ، فهو متوقّف على الدّليل المنتهي إلى الضّرورة أو البرهان ، وهما لا يجريان إلّا في أصول مسائل التّوحيد ، وإن كان بمعنى الإيقان بأنّ اللّه أمر أو نهى ، فذلك نادر في معظم مسائل التّشريع ، عدا ما علم من الدّين بالضرورة أو حصل لصاحبه بالحسّ ، وهو خاصّ بما تلقّاه بعض الصّحابة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مباشرة ، أو حصل بالتّواتر . وهو عزيز الحصول بعد عصر الصّحابة والتّابعين ، كما علم من أصول الفقه . وجملة : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ استئناف بياني ، نشأ عن قوله : يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فبيّن سبب ضلالهم : أنّهم اتّبعوا الشّبهة ، من غير تأمّل في مفاسدها ، فالمراد بالظنّ ظنّ أسلافهم ، كما أشعر به ظاهر قوله : يَتَّبِعُونَ . وجملة وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ عطف على جملة : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . ووجود حرف العطف يمنع أن تكون هذه الجملة تأكيدا للجملة التي قبلها ، أو تفسيرا لها ، فتعيّن أنّ المراد بهذه الجملة غير المراد بجملة : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . وقد تردّدت آراء المفسّرين في محمل قوله : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ؛ فقيل : يخرصون يكذبون فيما ادّعوا أنّ ما اتّبعوه يقين ، وقيل : الظن ظنّهم أنّ آباءهم على الحقّ . والخرص : تقديرهم أنفسهم على الحقّ . والوجه : أنّ محمل الجملة الأولى على ما تلقّوه من أسلافهم ، كما أشعر به قوله : يَتَّبِعُونَ ، وأنّ محمل الجملة الثّانية على ما يستنبطونه من الزّيادات على ما ترك لهم